زكريا بن محمد بن أحمد الأنصاري

48

فتح الرحمن شرح ما يلتبس من القرآن

وبه ، أسند الإثم إليه ، لأن إسناد الفعل إلى الجارحة التي يعمل بها أبلغ ، كما يقال : هذا مما أبصرته عيناي ، وسمعته أذناي ، وعمله قلبي . 123 - قوله تعالى : وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ إن قلت : كيف قال في الإخفاء : يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ مع أن حديث النفس لا إثم فيه ، للحديث المشهور فيه ، ولأنه لا يمكن الاحتراز منه ؟ . قلت : ذلك منسوخ بقوله : لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها . أو المراد بالإخفاء : العزم القاطع ، والاعتقاد الجازم . أو ذلك إخبار بالمحاسبة لا بالمعاقبة ، فهو تعالى يخبر العباد بما أخفوا وأظهروا ، ليعلموا إحاطة علمه ، ثم يغفر أو يعذّب فضلا وعدلا . 124 - قوله تعالى : فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ . قدّم المغفرة في هذه وغيرها ، إلا في المائدة فقدّم العذاب ، لأنها في المائدة نزلت في حقّ السارق والسارقة ، وعذابهما يقع في الدنيا فقدّم العذاب ، وفي غيرها قدمت المغفرة رحمة منه للعباد ، وترغيبا لهم إلى المسارعة إلى موجباتها . 125 - قوله تعالى : آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ . إن قلت : أيّ فائدة في هذا الإخبار مع أنّ الأنبياء في أعلى درجات الإيمان ؟ . قلت : فائدته أن يبيّن للمؤمنين زيادة شرف الإيمان ، حيث مدح به خواصّه ورسله ، ونظيره في الصّافّات أنه ذكر في نبيّ : إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ . 126 - قوله تعالى : لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ . فإن قلت : كيف قال ذلك مع أن بَيْنَ لا تضاف إلا إلى اثنين فأكثر ؟ . قلت : أَحَدٍ هنا بمعنى الجمع الذي هو آحاد كما في قوله تعالى : فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ فكأنه قال : لا نفرّق بين آحاد من رسله . 127 - قوله تعالى : لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ [ البقرة : 286 ] . لَها ما كَسَبَتْ أي : في الخير وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ أي : في الشّرّ . فإن قلت : ما الدليل على أن الأول في الخير ، والثاني في الشرّ ؟ . قلت : " اللّام " في الأول و " على " في الثاني ، لأنهما يستعملان في ذلك عند تقارنهما كما في هذه الآية ، وكما في قوله : مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ